التاريخ الشفهي
 
 

ناهدة الرماح

ناهدة إحدى المساهمين في بناء المسرح العراقي الحديث، مثلت الكثير من الأدوار في السينما وعلى خشبة المسرح العراقيين، منها فيلم الظامئون ومسرحية النخلة والجيران.
كان عقد السبعينات من القرن العشرين شاقاً على الفنانة ناهدة الرماح، فموقعها الفني جعلها تسير على حافة الخطر، لما يكرسه الفن من مسؤولية، تعرضت للاعتقال والاغتيال عدة مرات خلال حكم البعث، فلم يعد أمامها سوى الهرب. في المنفى فقدت ناهدة بصرها.
كان عمرها يوم أدلت بشهادتها ثمانية وخمسين عاماً. سجلت هذه الشهادة في 25/11/ 2004

 

أحب العراق جداً .. أحب .. الناس العراقيين .. يعني .. هذه كم هي سنين طويلة .. كم هي المسافات .. يعيشون بداخلي .. بقلبي .. بدمي بحياتي .. ليس .. مستحيل لا أتذكرهم بكل لحظة .. بكل ثانية .. هكذا أغمض عيني وأتذكر شارعاً شارعاً . كيف .. هذا من أين يخرج .. هذا من أين يمر .. مسرح بغداد زاوية .. زاوية .. غرفة الملابس .. أتذكر الجمهور أتذكر الـ.. المدخل لمسرح بغداد .. كيف كنا نقف في الشرفة .. أتذكر قاعة الشعب .. أتذكر المسرح القومي زاوية .. زاوية .. بيتنا .. زاوية .. زاوية .. أتذكره .. هو هدموه وراح .. كل حياتي فيه كانت .. حتى الأصدقاء لما هدموه يبكون .. ذهبوا يبكون لما رأوا بيتنا يهدمونه .. كان جامعاً للأحباب والناس والأصدقاء .. والمناسبات والاحتفالات كلها كانت فيه .. دائماً هكذا أتخيل .. أتخيل .. زاوية فزاوية .. كل العراق .. كل بغداد .. كل مكان .

فاصـل

في يوم وأنا راجعة من الفرقة ليلاً في سيارة تاكسي .. في ساحة اليرموك وإذا بسائق التاكسي .. أرى السيارة ترتفع وتهبط .. لا أعرف من أين دخل .. من أين خرج .. لا أعرف من أين راح .. لا أعرف ماذا يحدث .. مثل الذي صار عنده شوك .. لا أستطيع الكلام .. وصلت الباب قال لي السائق : يا ناهدة (الله يخليكِ بعد ذلك لا تخرجين !! قلت : ماذا حدث ؟ قال لي : ألم تري سيارتَيْ أمن طوقتني يريدون سحبك من السيارة .. تصور .. هذه انتهت ..
المرة الثانية خرجت .. وأنا أنتظر تاكسي .. هكذا وأنا غافلة ما أحسست إلاّ وأنا أسقط على وجهي .. جاء وئام يركض – ابني- يركض قال لي : ماما سيارة الأمن فيها أربعة ضربتك .. بعدها ذهبت إلى بيت .. أخذت أذهب إلى بيت سامي عبد الحميد وأذهب معهم للمسرح .. السائق لم يقبل توصيلي إلى الباب .. فقط إلى رأس الشارع .. كذلك وأنا أمشي ما أحسست إلاّ وسيارة جاءت من بعيد وضربتني .

فاصل

بعدها .. هذا الشهيد الذي أخذوه في التعذيب عادل شعرباث اعتقلوه بعد ذلك عذبوه وأطلقوه .. في يوم كان وسام يمشي بالشارع .. رآه .. صاح عليه .. قال له : قل لأمك لا تبقى دقيقة في بغداد .. حيث (( تره متحلفين لها في الأمن [[ حلفة ما صايرة]] )) .. بعد ذلك اعتقلوا زكية .. زكية خليفة ، أرسلت لي خبر .. قالت لي : إذا لم تخرجي احفري لك حفرة واختفي فيها لأن ((متحلفين لك حلفة يلعبون بك كالكرة)) .. قتل واغتصاب وتعذيب وأشكال .. فأخذت شفرة وحبوب فاليوم (10) ، قلت في نفسي أقطع الشريان وأشرب الحبوب ولا أجعل أحداً يمسني .

فاصـل

أقول لك الليل كله .. مطبخنا فيه شبابيك في كافة حيطانه على الـ.. على الحـ.. على الشارع ولكن ليس للأرض .. أدخل للمطبخ زاحفة على يدي ورجلي حتى لا يرونني .. لأنهم كلما يأتون يقولون لهم غير موجودة .. غير موجودة .. أقول سوف يغتالونني .. ابنتي .. ابنتي تذهب للمدرسة .. أرجف .. تأتي من المدرسة .. أرجف .. ها . بعد ذلك ابني وسام في يوم جاء وقال لي : ماما أرسلوا علي .. -هو في تلك الفترة عمه احتاجه فذهب عند عمه في الكاظمية ونقل- فجاء وقال لي هؤلاء الطلبة – ماذا يسمونهم هؤلاء- الاتحاد الوطني .. أرسلوا عليَّ وقالوا لي سوف نحيلك إلى محكمة الثورة لأنك تعمل ضد الثورة .. يقول : أنا ضحكت ! قلت لهم : لولا أمي لتركت المدرسة وأخذت العزف على الكيتار وأغني .. أية ثورة .. أي .. ما يُفهمني بهذه الأعمال ؟ ..
مرة ثانية ذهب إلى المدرسة .. وأنا أنتظر .. أنتظر لحد الساعة الواحدة ليلاً .. ألطم وأضرب .. وابني لم يأتِ .. في الواحدة ليلاً وقفت سيارة تاكسي ونزل .. أين كنت ؟ قال : ماما ذهبت .. من بعيد أصدقائي أشروا لي هكذا .. فرأيت اثنان واقفين جاءوا وقالوا : تفضل معنا .. هو قليلاً ذكي .. قال لهم : دقيقة عندي مبلغ لآخذه من صاحب المحل .. ومن ثم ركض .. وهم يركضون وراءه بالمسدس .. يدخل فرع ويخرج من فرع بعد ذلك قال : رأيت فرعاً .. وسياج واطئ .. قفز ونام بالحديقة .. بقي من العصر حتى الساعة التاسعة ليلاً .. لا أعرف كيف خرج صاحب البيت .. -الحمد لله صاحب البيت كان إنساناً طيباً – قال له : هل أنت لص ؟ قال له : لا عمي !! أتعرف ناهدة الرماح ؟ قال له : كيف لا أعرفها !! قال له : أنا ابنها .. قال له ما بك ابني ؟ قال له : هذه قصتي .. قال له : تعال فأدخله وغسله وأبدل ملابسه وأعطاه طعاماً ونقوداً وأجّر له تاكسي وأرسله ... إذن كيف أرسله بعد ذلك للمدرسة .. أخذت .. مرة أراد الذهاب إلى البياع .. ونحن نراقب .. تبعته سيارة .. فلحق به أباه وأعاده ..

فاصـل

يومياً نذهب للمسرح .. يجب أن يعتقلون اثنان أو ثلاثة بالباب .. الأمن .. الأمن جالسون في المسرح يومياً .. كل يوم .. حتى مرة .. وأنا ألتفت لأقول حواراً رأيت أحداً يعمل هكذا !!
.. تؤشر بوجهها بحركة مرعبة .. ..
.. يعني .. شكله كان شيئاً غير معقول .. أنا عملت هكذا ..
.. تؤشر بيديها بحركة عنيفة .
عليه .. هو كان .. عندي .. لكن عملتها أكثر بوجهه .. وكنا يوم .. يوم .. ماذا نعمل .. قبل أن تنتهي المسرحية نجري ونرتدي ملابسنا .. قبل .. تحت ملابس التمثيل حتى .. بسرعة ننزع ونخرج مع الناس لئلاّ يعتقلون واحدة منا .. وإذا .. يومياً تنقص واحدة منا ..
في يوم جئنا .. إقبال محمد علي غير موجودة .. نلطم ونضرب .. قلنا أخذوها .. ماذا نفعل .. ماذا نعمل .. كيف .. من أين نأتي بها .. من الذي أخذها .. كانت هي مسافرة ونحن لا نعلم .. حتى سميرة الورد .. خرجت مكانها تحمل النص وتقرأه .. كذلك .. كنا ننقص واحدة .. كل يوم واحدة .. كل يوم يأتونا بخبر .. فلان من التعذيب قتل .. فلان خطفوه .. فلان قتلوه .. بيت فلان داهموهم .. بيت فلان كذا فعلوا بهم .. فلان كذا فعلوا به .. كل يوم يأتينا خبر .

فاصـل

في يوم وأنا أمشي ، ولد صغير .. ست ناهدة .. ست ناهدة .. كذا 20 أو 22 سنة عمره ، قلت له نعم .. قال : تسمحين أتكلم معك ؟ قلت له نعم ! قال : لماذا لا تسافرين ؟ أنت أليس عندك سفرة ؟
ـ عندما يحين وقت السفر أسافر ..
ـ لا الله يخليكِ سافري .. قلت له : لماذا ؟ ماذا يوجد ؟ قال : لأنه أنا لا أستطيع أن أقول لك من أنا .. لأني أخاف عليكِ .. قلت له : لماذا تخاف .. ماذا فعلتُ أنا .. قال : الله يخليكِ لا أستطيع أن أقول لكِ .. سافري .. اخرجي !!

فاصـل

هكذا حدث في العراق اغتيالات وقتل وخطف من الشارع وناس أعرفهم كثيرون اغتالوهم وقتلوهم .. و .. اعتقلوهم واغتصبوهم .. بالأكوام .. بالأكوام ..
طبعاً تركت العراق .. تصور بالطائرة .. أنا عندما طارت الطائرة من الشباك أنظر هل صحيح سوف أعود في يوم ما وأرى العراق .. وإذا لم أفتح عيني سوف لن أرى العراق .

فاصـل

عرضت مسرحية الشقيقات الثلاثة في مسرح لندن .. ذهبت .. جلست وحدي .. لأول مرة أجلس وحدي في قاعة أنا لست ممثلة .. جلست ..غير منتبهة .. أطفئت الأنوار .. فتحت الستارة .. ظهر الممثلون .. وإذا شيئاً صار بي .. لا أعرف كيف مسكت نفسي .. أردت القيام وأن أركض .. أركض وأصعد المسرح وأصرخ وأقول .. أنا ممثلة .. أريد أن أمثل .. أريد أن أمثل يا ناس !! مسكت نفسي وطيلة عرض المسرحية أبكي بصمت .. بصمت .. دموع تنزل وهكذا أشهق شهقات صغيرة .. أرى الناس تنظر لي .. والدموع .. والدموع .. والدموع .. والدموع .. انتهت المسرحية ذهبت خلف الكواليس أقبل الممثلين وأبكي .. قلت أنا ممثلة عراقية .. وهكذا بسبب الحكم في العراق .. خرجت وتركت العمل .. أتمنى أمثل .. قبلوني واحتضنوني وتمنوا لي أن أرجع .
دائماً .. يعني .. ماذا أفعل .. أذهب إلى قاعة المسرح في النهار .. ألفّ .. أنظر الصور .. صور الممثلين .. لماذا .. لماذا نحن هكذا .. لماذا حرمونا .. حرمونا من المسرح ومن الفن ومن التمثيل .. يعني .. كلما أتكلم عن معاناتي .. بُعدي عن الفن وعن المسرح .. لا يوصف .
 

 

رجوع
 

 
   
 


الرئيسية | من نحن | مشاريع | أخبار | ارسل وثيقة | وصلات | تبرع | اتصل بنا | English | كوردي | ارسل الى صديق 

Copyrights © 2005 - 2007,  Iraq Memory Foundation. All rights reserved

Developed By Ali Zayni