التاريخ الشفهي
 

 

حسن إبراهيم شبر

تعرض للاعتقال عدة مرات، كان أقساها في 26 تشرين الأول 1971، حيث أمضى عدة أشهر في سجن قصر النهاية، أشرف على تعذيبه اكثر من مرة مدير الأمن العامة حينذاك ناظم كزار.كانت التهمة الموجهة له هي الانتماء لحزب الدعوة الإسلامية، الذي ساهم حسن شبر يتأسيسه. فقدت عائلته ثلاث من ابناءها. كما أعدم أيضاً والد زوجته عالم الدين الشيعي السيد قاسم شبر، حيث تجاوز السعبين من العمر. سجلت هذه الشهادة في بغداد بتاريخ 15/5/2004.

 

وكان الوقت رمضان .. رمضان .. كنت متوضئاً ولكني لم أصلِ بعد صلاة الظهر وكنت صائماً .. جاءوا وأخذوني إلى قصر النهاية .. في الطريق عندما أخذوني قالوا لي ممكن أن تأتي معنا إلى الشرطة لمدة خمس دقائق .. أنا أعرف .. ليست خمس دقائق وليست شرطة .. وأعرف الوضعية .. فذهبت معهم .. في الطريق قالوا لي : في السيارة.. يعني.. كانوا أربعة وضعوني في منتصف المقعد الخلفي وأحاطوني اثنان ، في الصدر اثنان .. وقالوا لي في الطريق .. أنت سوف تذهب إلى مكان لا تخرج منه أبداً ..

فاصـل

سحبني الجلاد وأنا أعتقد سوف أموت هذه المرة ..
ماذا فعل هذا ماجد الشكرة ؟ هنا ماجد الشكرة أخذني هذه المرة .. مسكني من يدي ونزل بي عدة سلالم .. تحت الأرض .. فتح بابين حديديين .. فتح باب حديدي ، ولما فتح الباب .. بدأت أشم من هذا المكان رائحة الموتى ووجدت هناك شمعة صغيرة تكاد تنطفئ .. يعني.. الظاهر هم .. يعني .. وضعوا هذه الشمعة لكي تريني المنظر قليلاً ثم تنطفئ .. أنزلني في هذا المكان وأغلق الباب علي وذهب .. انطفأت الشمعة .. وأصبح المكان مظلم تماماً وفيه رائحة الموتى .. وعندما نزلت إلى هذا المكان .. السرداب والشمعة لا تزال تضيء هذه الصغيرة وجدت أن هناك شخصين جالسين يلبسان الكوفية البيضاء والعقال .. ثم كنت وحيداً معهما قلت فلأقضي وقتي مع هذين الشخصين .. سلمت عليهما ثلاث مرات ، لم يجبني أحد .. مددت يدي .. لماذا لا تجبني .. وإذا هو أحدهم .. ها .. رأس مقطوع قبل قليل .. مقطوع .. ساقط على منضدة وكانوا قد ألبسوه الكوفية والعقال .. قبل قليل .. يعني .. الدم طري لا يزال لأجل تخويفي .. فرجعت إلى الوراء مرعوباً . وعرفت أنني سوف أقطع مثل هؤلاء أيضاً فقرأت ما كنت أحفظه من القرآن الكريم وأنا مع الموتى .. عدة ساعات .. إلى أن جاء نفسه ومعه شمعة طويلة وضعها وبيده سكين ذات نصلين .. يعني تذبح من الطرفين .. يحركها أمام الشمعة .. تلمع .. وبدأ يسبني بألفاظ بذيئة جداً وهو يضحك .. قال لي في البداية ((إن كلاب قصر النهاية سـوف نتشـبع من لحمـك هذا اليوم .. -كانت عندهم كلاب يعذبون بها .. يطوفون بها على السجين- وأنا ساكت .. يضحك ويسبني .. ماذا تريد أن أقطع في البداية .. يدك .. رجلك .. ذكرك .. أذنك .. قلت له : إذا قطعت رأسي فافعل ما تشاء .. في البداية اقطع رأسي وافعل ما تشاء .. رآني صامداً .. يعني.. لم أزلزل أبداً قال لي : كم طفل عندك ؟ قلت له : ثمانية ! قال : ألا تريد أن تراهم ؟ قلت نعم أريد ، قال : إذا اعترفت الآن في هذه اللحظة تتكلم معهم بالتلفون .. تخرج من السجن ، قلت ما عندي شيء.

فاصـل

وأنا معلق .. وذهب بي .. وذهب بي فكري إلى أهلي .. إلى أخواني وبيتي وكنت أعتقد أنني سوف لا أعود إليهم .. وأنا معلق كنت أقول :
إلهي هل ترى أني أعــود فيجمع شملنا ويكون عيد
..يعني.. الإنسان عندما يعود إلى أهله عيد يعتبر .
واسمع صوت أطفالي صغاراً ويملأ قلبي الطفل الوليـد
وأمهم لهف نفسي هل أراها فذاك وحقك الأمل الوحيد
وإخواني وأحبابي جميعــاً وبيتي يا له بيـت سعيد
... الخ
كانت تثير بي الأشجان والذكريات لأني كنت أعتقد أنني سوف لا أعود إليهم .. ما كنت أخشى من الموت ولكني كنت أحن إليهم .
 
فاصـل

فجر يوم 13/11/1979 كان قبل ليلة في سيارتي الخاصة – كان عندي سيارة نصر- أخذها مني ليوزع بها بعض المنشورات .. المعارِضة للحكومة .. وزعها في الشعلة .. تلك الشعلة .. الظاهر كان مراقَب .. كأنما دخلوا علينا ليلاً .. فجراً .. قبل الفجر بقليل .. مجموعة من الجلاوزة .. طرقوا الباب .. فتحت الباب – كان رياض إلى جانبي- أول سؤال سألوني أن هذه السيارة لمن ؟ قلت لهم : لي
ـ ما اسمك
ـ قلت لهم : حسن إبراهيم شبر .
ـ من هو رياض
ـ قال لهم : أنا رياض .. مسكوا رياض
فاصـل
قال لي : يسلم عليك رياض .. فسحبت يديه إلى الداخل .. قلت له : تعال !
ـ من أنت
قال لي : أنا سجان .. سجان ورياض عندي بالسجن . قلت له : ما هو حكمه ؟ قال : ست سنوات محكوم .. فرحت كثيراً .. جداً .. قلت له : إذا .. سوف آخذك للبيت .. إذا سألتك أمه .. قالت لك : كم هو سجنه ؟ لا تقل لها ست سنوات .. قل لها ستة أشهر .. قال: حسناً .. أخذته للبيت .. جاءت أمه .. قلت لها : هذا سجان ويقول حكمه ستة أشهر ابننا .. فهي قالت .. ما الذي ينهي الستة شهور .. هو ستة أشهر أنهى منها أربعة أشهر بالاعتقال .. يعني ..الباقي له شهرين .. ما الذي ينهي الستة أشهر .. المهم .. أعطيته مقدار من النقود لأنه جاءني بخبر عن ابني رياض .. تقريباً عشرون ديناراً أعطيته وقلت له : سوف آتي ببجامة ترسلها لابني .. قال : لا يحتاج . قلت له : لا . أّجلبها .. قال : لا لا يحتاج .. استغربت .. يعني.. سجين لا يحتاج بيجاما لماذا ؟
فشككت أن يكون محكوماً بالإعدام . بحضور أمه .. قلت لأمه .. اذهبي وهاتي لنا الشاي لهذا الرجل .. هذا الوقت الثانية عشر ليلاً .. أريدها أن تخرج .. أريدها أن تخرج حتى أسأله .. هي وقفت وراء الباب تتصنت ! سألته : قلت له : محكوم بالإعدام رياض ؟ قال: نعم .. الأم سمعت .. كان هناك دولاب كتب زجاجي .. فضربت رأسها بالزجاج وكسرت الزجاج .
المهم .. بعد كم يوم اتصلوا بنا .. تعالوا خذوا ابنكم .. تعالوا للأمن بالبداية .. ذهبت أنا لأمن الكاظمية .. لأن بيتنا كان في الكاظمية .. ذهبت للأمن فسألنا عن رياض . وصديق كان عنده بعض أقاربه في حزب البعث .. بعد ذلك قال لي : رياض أعدم .. وأين تدفنونه ؟ قلت : في النجف : قال : لا يجوز تنصبون له مجلس للفاتحة نهائياً .. لا للرجال ولا للنساء .. ولا بكاء ولا تفتحون الباب أيضاً .. قلنا حسناً !!
 

 

رجوع
 

 
   
 


الرئيسية | من نحن | مشاريع | أخبار | ارسل وثيقة | وصلات | تبرع | اتصل بنا | English | كوردي | ارسل الى صديق 

Copyrights © 2005 - 2007,  Iraq Memory Foundation. All rights reserved

Developed By Ali Zayni